الرئيسيةالبوابةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلالأعضاءالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 ليله ماطرة في دار السلام

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
waleed

avatar

عدد الرسائل : 708
العمر : 25
Localisation : انا زحمه و ربكه و شغل جنان .. نصي بيضحك و التاني زعلان .. انا شيء فلتان .. طيب شرير و جريء و جبان .. اوقات مشرق و اوقات بهتان .. و ساعات سليم .. و ساعات تعبان مفتري جدا و كمان غلبان .. انا م الاخر عفريت لابس بدله انسان
المذاج :
البلد :
my sms : لا تسال دموعي عن اوجاع الايام
تاريخ التسجيل : 28/10/2007

مُساهمةموضوع: ليله ماطرة في دار السلام   الثلاثاء أكتوبر 07, 2008 2:10 am

* قدمت هذه المسرحية فرقة عبد المنعم رياض المسرحية بحلب في آذار 2005

مدخــل

يسمع في الظلام موسيقى شهرزاد / ألف ليلة وليلة، لكورساكوف. ينعكس على شاشة كبيرة في عمق المسرح ظلال لمدينة بغداد برموزها التاريخية، ويتعانق فيها الواقع بالأسطورة. تستمر الموسيقى فترة ثم يختلط معها صوت إنذار بغارة، ويتلوها صوت قصف بقنابل هائلة الحجم ، انفجارات في خلفية المسرح وومضات ضوئية تختلط مع استمرار القصف بتكبيرات من المآذن وقرع نواقيس الكنائس ثم يتلاشى كل شيء ويسود الظلام وصوت الريح.

المشهد الأول

الوقت: قبيل المغرب / المكان: طريق
في الجانب الأقصى والأيسر الأمامي من الخشبة ، بقعة ضوء على فتاة في الثانية عشرة من عمرها ، ذات جدائل طويلة مصفرة الوجه ومتعبة من الريح ، تحمل في يدها رغيفاً من الخبز . تتوقف وكل الدلائل تشير إلى أنه سيغمى عليها. الفتاة تسقط على الأرض ببطء ويقع الخبز من يدها ويسقط إلى جانبها . يسمع وقع أقدام . يدخل اثنان من المقاومين هما فاضل وأمين ، يحملان البنادق ينحنيان على الفتاة )
فاضل : (يهز الفتاة بهدوء من كتفها ) إنها تتنفس ، إنها فاقدة الوعي فقط .
أمين : (يرفع قطعة الخبز وينظفها بكمه ) غريب ، جميع الأطفال يأكلون خبزهم حتى قبل أن يخرجوا من المخبز ، أما هي فلم تأكل منه شيئاً . يبدو أن أهلها قساة لا يسمحون لها بتناول الخبز إلا أمام أعينهم، والأطفال يعجبهم الخبز المقمر الساخن من الفرن .
فاضل : دع الفلسفة جانباً ، علينا أن نحملها إلى البيت فهي ستتجمد هنا من البرد، والسماء تنذر بالمطر (المقاومان يرفعان الفتاة ، تتنهد وتفتح عينها وتنظر بنوع من الذنب نحو المقاومين )
حياة : (بصوت خافت جداً ) هذا يحدث لي للمرة الأولى ، يجب أن أذهب.
فاضل : هل تسكنين بعيداً ؟
حياة : كلا . هنا في هذه الحارة .
فاضل : هيا بنا ! ( يقود الفتاة وهو يسندها من كتفها ، أمين يمسك الخبز بيده ويسير في المؤخرة )
(إظلام)



المشهد الثاني

( غرفة ذات نافذتين عاليتين .. أثاث قديم . أبواب مزخرفة . على الجدران علقت لوحات محاطة بإطارات ذهبية . عود معلق على الحائط . أريكة قديمة وبجانبها مدفأة حديدية. على الأرض وبجانب المدفأة مجموعة من الكتب . خلف النافذة يبدو نهر دجلة ، وأبنية مهدمة . كل شيء محاط بجو شتائي قارس ومضاء بنور خفيف . المقاومان يدخلان الفتاة إلى الغرفة. فاضل يضعها على الأريكة . الفتاة ترتمي على الزاوية وتلف نفسها بمنديل . أمين يضع الخبز بجانب الفتاة ويجلس بقرب المدفأة . )
فاضل : هل حولتم مدفأة المازوت إلى مدفأة على الحطب ؟
حياة : لا يوجد وقود .. والكهرباء مقطوعة ..
(فاضل يهم بإلقاء كتاب داخل المدفأة ولكنه في الحال يستعيده ويبدأ بتصفحه )
أمين : مغامرات سندباد .. آه كتاب ممتع .. ألا توجد هنا أشياء مشابهة ؟ ( يبحث بين الكتب ويقرأ العناوين) ليلى والذئب، سندريلا ، أليس في بلاد العجائب.
حياة : احرقها فقد قرأتها كلها .. عدة مرات .
أمين : شيء مؤسف . ربما توجد كتب سيئة للحرق ( تهز الفتاة رأسها بالنفي ) آه من المؤسف أن تضيع هذه الكتب في النار ( يأخذ كتاباً سميكاً يقرأ) أمريكا رسول الديمقراطية إلى العالم .. أوه هذا كتاب يصلح للمدفأة ( يرمي الكتاب في المدفأة ) لم تقولي ما اسمك يا فتاة ؟
حياة : حياة ..
أمين : حياة اسم جميل ..وأنا أمين وصديقي اسمه فاضل .. يجب أن تشربي شيئاً ساخنا.ً لابد أن نطمئت عليك قبل أن نذهب للسير بجانب نهر دجلة فنحن في مهمة .
فاضل : سأقوم أنا بالخدمة، أين الإبريق؟
حياة : الإبريق هناك عند النافذة.
فاضل : ( يأخذ الإبريق ) سأملؤه ماء .. أين المطبخ ؟
حياة : المطبخ من هنا ( يخرج فاضل ، أمين يتجول في الغرفة ويتأمل اللوحات )
أمين : هل والدك رسام ؟
حياة : كلا .. ليس رساماً ..
أمين : إن لم يكن رساماًُ فإنه فنان وذوقه رفيع حتى يقتني مثل هذه اللوحات الجميلة لا شك أنك تفخرين بوالدك ( الفتاة تصمت ،تحزن ، تمسح دمعة ) آسف .. هل قلت ما يحزنك يا صغيرتي ؟ ( يدخل فاضل ويضع الإبريق على المدفأة) توجد لوحات كثيرة هنا وتقول إن والدها ليس رساماً !
فاضل : ( يتناول العود ) لا بد أن والدك موسيقي .. العود صنع في حلب .. قديم وصناعته ممتازة وخشبه من النوع النادر .
حياة : كلا ليس موسيقياً .
فاضل : من هو والدك إذاً .. وماذا يعمل .. وأين هو ؟ (تدير وجهها وتمسح خفيةً دمعة حزن ثم تلتفت )
حياة : أنا وحيدة .. هذا ليس بيتي .. هنا يعيش الملحن الموسيقي نعمان بشير .
أمين : ( يلتفت نحو فاضل ) هل تسمع ؟ آلاتي .. هذا من اختصاصك.
حياة : ( تبتسم بضعف ) وماذا تعني بكلمة آلاتي ؟
أمين : هذا تعبير شعبي عند العامة ..يعني موسيقار.
فاضل : حاول أن تكف عن الثرثرة ( يرفع غطاء إبريق الشاي ) سيبدأ الماء بالغليان .. أين الشاي ؟
حياة : لا يوجد شاي .. لقد نفذ الشاي منذ أسبوع .
فاضل : لا بأس، الماء المغلي يفيدك .. هل نعمان بشير قريبك.. عمك؟ خالك؟
حياة : كلا .. إنه ليس من أقربائي، كنت أعيش في الشقة المجاورة ( صمت .. تكاد تغص بالكلمات ) ذهبوا كلهم .. وبقيت وحيدة .. فدعاني الأستاذ نعمان إلى العيش معه .
فاضل : ذهبوا ؟! أين ذهبوا حتى تركوك وحيدة ؟ ( صوت إنذار بغارة .. صوت طائرة .. قصف .. انفجار .. الفتاة تتكوم على نفسها وهي متألمة وخائفة ) هل أنت خائفة؟
حياة : كلا.. ولكن أخاف على العم نعمان، أخشى أن يصيبه مكروه.
أمين : (يهرع إلى النافذة ) إنهم يقصفون الحي الشرقي في الكرخ .
فاضل : عليهم اللعنة .. وهل بقي حي لم يقصف ؟ والمدينة محاصرة ( يمسك بكفي حياة) لا تخافي نحن معك ( يتوقف القصف ) سيعود الأستاذ نعمان، أنا متأكد، اطمئني،( يجمع كفيها في كفيه وينفخ فيهما بفمه ليدفئهما) يداك باردتان ( لأمين ) صب لها كأساً من الماء المغلي المحلّى بالسكر( يصب لها أمين ) سأعزف لك لحناً (يتناول العود )
حياة : (تهدأ وتشرب الماء المغلي ) من أين عرفت ؟
فاضل : عرفت ماذا ؟!
حياة : أن هذا العود من حلب .
فاضل : لي دراية بسيطة بهذه الأمور ( يلاحظ وهو يحمل العود وجود نوتات موسيقية على الطاولة ، يحملها بحذر )
حياة : (بخوف ) لا تلمسها .. إنها مخطوطات .
فاضل : أعرف ذلك ..(يقرأ) سيمفونية دار السلام .. لا يوجد لدي وقت وإلا حاولت عزفها .
حياة : وما هي دار السلام ؟
فاضل : هذا هو الاسم التاريخي لبغداد .. هذه مدينة من مدن ألف ليلة وليلة، هل قرأت كتاب ألف ليلة يا حياة؟
حياة : كلا..
فاضل : يجب أن تقرئيه، إنه كتاب رائع. يوجد عندي نسخة سأحضرها لك، ورحلات سندباد واحدة من أجمل قصص ألف ليلة وليلة.كان سندباد عندما يعود من رحلاته ويصل إلى بغداد يقول : ووصلنا دار السلام بأمان .
حياة : ولماذا سمّوها دار السلام؟
فاضل : لأن الخليفة العباسي أبا جعفر المنصور عندما اختطها وبناها أرادها أن تكون داراً للسلام. وكانت حقاً مركز العالم في الحضارة والسلام.
أمين : عن أي سلام تتحدث ؟ عما قريب سيبدؤون بعزف موسيقاهم الجهنمية . دعنا نذهب .
فاضل : لا بد أن أعزف لحياة لحناً قبل أن نذهب (لأمين ) أشعل الشموع قبل أن يحل الظلام (أمين يشعل الشموع الموزعة في الغرفة وفاضل يعزف )
( يفتح باب الغرفة ، يدخل رجل عجوز هو مصطفى يحمل لوحة مخطوطة بخط كوفي قديم غير منقط ، مكتوب فيها .." إن مع العسر يسرا" . يرفع الغطاء عنها ويضعها جانباً . يخلع نظارته ويمسح عنها الغبار ثم ينظر إلى فاضل .. فيتوقف عن العزف . ينهض ويحمل بندقيته )
مصطفى : أرى أشياءً غريبة في هذه الغرفة .. غريبة جداً .. كيف دخلتما إلى هنا أيها الشابان ؟
أمين : عفواً أستاذ نعمان .. لقد أغمي على الفتاة في الشارع فأحضرناها إلى هنا .
مصطفى : أنا لست نعمان بشير .. أنا جاره المهندس مصطفى .. شكراً لمساعدتكما للفتاة .. إنها طيبة جداً (يلتفت نحو فاضل ) إنك تعزف بشكل جيد .. ويمكن القول إنك عظيم .
فاضل : (بخجل واضح ) أعزف على قدر استطاعتي .
مصطفى : (يتنهد ) نعم . في الأيام الماضية كانت الجيوش تسير نحو المعركة تحت أصداء الموسيقى، وبخاصة موسيقى القرب والآلات النحاسية، وهذا يعني الكثير .. ألا تعتقد ذلك ؟
فاضل : طبعاً .
مصطفى : لم تعد هذه الأشياء ممكنة في أيامنا للأسف .
أمين : الموسيقى ترفع المحارب إلى الأعالي .. آه .. عندما تسمع أصوات الموسيقى والأناشيد الحماسية .. ما نفع الحديث الآن؟ فلنذهب يا فاضل .
فاضل : فلنذهب ( يضع العود على الطاولة ، أمين يأخذ من حقيبته رغيف الخبز وهو حصته من الطعام وبدون أن يلاحظه أحد يضعه على الأريكة بجانب الفتاة. المقاومان يتجهان نحو الباب )
أمين : (يتوقف عند اللوحة ويلتفت نحو العجوز ) أرى أشياءً غريبة في هذه الغرفة .. غريبة جداً .
مصطفى : (بخوف ) ما هي ؟
أمين : هذه اللوحة، خط قديم لا أستطيع قراءته ..
مصطفى : (يقرأ اللوحة) "إن مع العسر يسرا ً" هذا نموذج للحرف العربي قبل أن توضع النقاط على الحروف.
أمين : من أين أخذت هذه اللوحة ؟ أرجو أن لا تكون سرقتها .
مصطفى : أنا لم أسرقها .. لقد قصفوا الجامع الكبير في الحي الشرقي .. خفت أن تضيع في الركام .. فأحضرتها إلى هنا . في غرفتي لا يوجد مكان لها .. فقد ملأتها بمثل هذه القطع . أخاف أن تضيع فهي كما تعرف أشياء ثمينة ..ويجب أن تعود إلى مكانها بعد أن تنتهي هذه الحرب ثم إني أحتاجها الآن.
أمين : لماذا تحتاجها ؟
مصطفى : كيف لماذا؟ لقد أفهمتك أنني مهندس. وأنا باحث في الخطوط والآثار أيضاً.. لقد ألفت كتاباً في هذا الموضوع. أنا أعرف قيمة هذه القطع جيداً. ولهذا أحاول المحافظة عليها من أجل المستقبل.
أمين : ( لنفسه) إنسان غريب.
مصطفى : نعم من أجل المستقبل. فمن جديد سوف تنهض بغداد بكل عظمتها فوق نهر دجلة.. ألا تؤمنان بذلك أيها الشابان.
فاضل : كلنا نؤمن بهذا .
أمين : مفهوم تماما ً .. الوداع
فاضل : لحظه من فضلك أستاذ مصطفى ( يأخذه جانبا ً ) ما قصة هذه الفتاة ... قالت إن أهلها ذهبوا كلهم وتركوها وحيدة ... وأين ذهبوا ؟
مصطفى : إنها لا تذكر شيئا ً ... أو لا تريد أن تتذكر، دعها وشأنها .. لقد قصفت دارهم وقتل أهلها جميعهم ... أمها وأبوها وإخوتها ... وانتشلناها من تحت الأنقاض بعد يومين، كان أبوها مدرّسا للتاريخ ... إنها لا تتذكر شيئا ً وقد أسميناها حياة.
فاضل : عليهم اللعنة ... يريدون أن يدمروا الحياة ولكن الحياة ستستمر(يخرج المقاومان)
مصطفى : حياة.. أين الأستاذ نعمان بشير ؟
حياة : ذهب للعزف في معهد المعوقين ... إنه حريص على موعده الأسبوعي معهم .
مصطفى : اشربي الماء المغلي ... لم أستطع الحصول على الشاين وأخشى أن ينفد السكر أيضاً (صمت) أنت ضعيفة جدا ً يجب ترحيلك من هنا .. هذا المكان خطر جدا ً على حياتك يا ابنتي .
حياة : لن أذهب إلى أي مكان آخر ، لا تحدثني عن هذا أبدا ً يا عم مصطفى (تبكي بهدوء )
مصطفى : لن أحدثك .. لن أحدثك .. استريحي قليلاً ( يذهب نحو الباب ويحمل اللوحة) سأعود الآن وسأدعك تشربين الماء المغلي ( يخرج. صوت صفير من بعيد)
الفتاة : ( تصغي) آه..لعله قادم
(تنهض بسرعة وتصطدم برغيفي الخبز . تصرخ الفتاة من الفرح وترفعهما بيدها . انفجار خلف النافذة .. في الظلام خلف دجلة يرى ضوء غير واضح)
حياة : (تهمس ) رغيفان من الخبز ! من أين أتى الرغيف الثاني (تقسم قطعة من رغيف الخبز وتضعها في جيبها ، تنهض وتتقدم من العود ، ترفعه وتضع تحته رغيف الخبز ثم تستعيده ) لا.. ربما لا يستعمل العود في التأليف الموسيقي ، سأضعهما بين المخطوطات ( تضع الرغيفين بين المخطوطات ) هكذا سيجد الخبز بسرعة. ( يدخل مصطفى )
مصطفى : مرة أخرى .. قنبلة ذات مدى بعيد . لقد انفجرت قرب الجسر .. هيا يا حياة دعينا نشرب الماء المغلي . (تعود الفتاة نحو الأريكة ،يسكب العجوز الماء المغلي في كأسين ويبدأ الشرب ) آه يا حياة .. لقد أكلت رغيفي من الخبز في الفرن .. لم أستطع الصمود . لقد كبرت وضعفت إرادتي وتغيرت
حياة : ( تخرج من جيبها قطعة الخبز وتناولها له ) تفضل يا عم مصطفى.
مصطفى : وأنت ؟
حياة : أنا لا أريد. ما عندي شهية للطعام.
مصطفى : ( يأخذ قطعة الخبز ويقسمها إلى قسمين ويعطي قسمها الآخر لحياة وهو يحاول تقليدها ) لا أريد .. لا أريد .. ربما أنت أيضاً أكلت خبزك في الشارع .
حياة : أكلت يا عم مصطفى .
مصطفى : وربما أيضاً أكلت بعضاً من خبز الأستاذ نعمان .. ولكن لا تغضبي . وبالمناسبة من الخطأ أن نأخذ حتى حبة قمح من نعمان .
حياة : أعرف ..
مصطفى : أنت لا تعرفين شيئاً .. أنت لا زلت صغيرة .. لا تفهمين هذه الأشياء .. إنه يكتب سيمفونية عن بغداد المحاصرة . هذه السيمفونية يجب أن تعزف في جميع الإذاعات المرئية والمسموعة والمحطات الفضائية وأن توزع اسطوانتها على كل مقاتل وفي كل بيت .. يجب أن يسمعها كل العرب .. وكل العالم .
حياة : أعرف.. إني أسمعه كل ليلة وهو يعزف .
مصطفى : يا حياة .. في هذه السيمفونية يصور حبنا ونضالنا وقوتنا وفخرنا ، يصور بغداد عاصمة الدنيا في العصر العباسي .. في هذه السيمفونية يا حياة ستقرئين جلجامش وسومر وآشور وبابل .. حكايات عظيمة لم يعرف مثلها تاريخ الشعوب. وهذه السيمفونية في أي ظروف يكتبها !! في هذه الغرفة الباردة أمام قطعة من الخبز والماء المغلي تحت أصوات الانفجارات والموت . تعلَّمي كيف تصبحين قوية يا حياة .
حياة : (بهدوء) أعرف .. قل لي يا عم مصطفى تلك الأشياء التي يُكتَبُ عنها في الأساطير هل تحدث في الحياة ؟
مصطفى : هذا يعتمد على ما يُكتب.
حياة : إذاً فكيف يمكن أن يظهر في هذه الغرفة فجأة رغيف من الخبز لم أحمله معي من الفرن كما في أسطورة العصفور الأزرق ؟
مصطفى : ولماذا التعجب ؟ يمكن أن يحدث هذا ، لقد عشت خمسين سنة يا حياة وأنا الآن أصدق كل شيء
حياة : لا بد أن هنالك ملاكاً في السماء قد ألقي إلَّي رغيفاً من الخبز من النافذة ولكن النافذة مغلقة .. آه .. كيف أفسر هذا الأمر يا عم مصطفى .. لقد أحضرت من الفرن رغيفاً واحداً وها أنا ذا أرى على الأريكة رغيفين .
مصطفى : لقد نعستِ يا ابنتي .. وبدأتِ تخلطين في الكلام .. نامي يجب أن تستريحي حتى يعود نعمان.
(تخفت الأضواء وتبقى الشموع مشتعلة ، يخرج مصطفى، حياة تتكىء على جانب الأريكة وتلتف بمعطف ومنديل.
موسيقى حزينة، ظلال على الشاشة لأسرة حياة: في الطرف الأيمن من الشاشة الأب يحمل كتاباً، الأم تحمل رضيعاً، طفل بجانبها متعلق بذيل ثوبها. في الطرف الآخر من الشاشة ظل حياة.
تشتد الموسيقى وتصبح صاخبة ثم تخف، يرفع الأب والأم والطفل أيديهم ملوحين مودعين ثم ينسحبون رتلاً من طرف الشاشة. ترفع حياة " الظل" يدها مودعة، وترفع حياة يدها وهي نائمة يدها أيضاً بشكل تلقائي وكأنها تودعهم.
صوت حياة : بابا.. ماما ( تخبو الأضواء على الظلال)
(إظلام)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
waleed

avatar

عدد الرسائل : 708
العمر : 25
Localisation : انا زحمه و ربكه و شغل جنان .. نصي بيضحك و التاني زعلان .. انا شيء فلتان .. طيب شرير و جريء و جبان .. اوقات مشرق و اوقات بهتان .. و ساعات سليم .. و ساعات تعبان مفتري جدا و كمان غلبان .. انا م الاخر عفريت لابس بدله انسان
المذاج :
البلد :
my sms : لا تسال دموعي عن اوجاع الايام
تاريخ التسجيل : 28/10/2007

مُساهمةموضوع: رد: ليله ماطرة في دار السلام   الثلاثاء أكتوبر 07, 2008 2:11 am

المشهد الثالث

( ليل .. الستائر مسدلة على النوافذ .. المدفأة موقدة ... الفتاة نائمة على الأريكة وهي ملتفة بمعطف ومنديل ... أصوات انفجارات .. وبعد كل انفجار تتأرجح شعلة النار في المدفأة . صوت صفير خارج النافذة.. يدخل نعمان .. رجل عجوز متعب الوجه .. يفك لفحته .. يخلع قبعته فيبدو شعره الأبيض )
نعمان : ( ينفض حبات المطر عن ثيابه يقترب من المدفأة ) لقد تبللت ثيابي بالمطر .. لقد أحرقت هذه الغبية كل المكتبة ( ينهض ويقترب من العود يرفعه ، يجلس، يفكر قليلا ً ثم يبدأ العزف ) حركة جميلة يجب أن أدونها ( ينهض يأخذ قلما ً ويقلب المخطوطات ) ما هذا ؟ .. ( يخرج الخبز من المخطوطات ) رغيفان من الخبز ؟ .. خبز رائع ... من وضعه هنا ..( يبدأ في الأكل .. يمد يده إلى جيبه فيخرج قطعة من السكر ) وقطعة السكر هذه من وضعها في جيبي يا ترى ؟!.. أشياء غريبة تحدث هنا في هذه الغرفة .. هل أنت نائمة يا حياة ؟ ( حياة لا تجيب ) شكرا ً لمن وضع الخبز هنا على كل حال .. سيكفيني الخبز طوال الليل .. ( يطفئ النار ثم يرفع الستار .. تتلألأ بعض الأضواء خلف النافذة ) هل هو البرق أم انفجارات من بعيد ( يجلس ويبدأ بالعزف .. ترفع الفتاة رأسها بحذر وتصغي ... موسيقى حزينة تملأ جو الغرفة وتسمع الانفجارات من الخارج .. نعمان يستمر في العزف .. تنهض الفتاة وتجلس قرب المدفأة وترمي فيها الكتب بحذر وتصغي، يدخل العجوز مصطفى وهو يمشي على أطراف أصابعه نحو المدفأة ، يتوقف ثم يبدأ في الإصغاء )
مصطفى : ( بهدوء ) تعلَّمي كيف تصبحين قوية يا حياة .
نعمان : ( يتوقف عن العزف ثم ينظر حوله ) من وضع الخبز بين المخطوطات ؟
حياة : لا أعرف .. ( تخبو أنوار الغرفة إلا من الشموع ، حياة ومصطفى في وضعية التثبيت ، ونعمان مستمر في العزف )

المشهد الرابع

الوقت: ليل. المكان: طريق
(بقعة ضوء على المقاومين فاضل وأمين في الجانب الأقصى الأمامي والأيمن من الخشبة، يقفان ويصغيان في الليل، لا زالت تسمع أصوات الانفجارات وهدير الطائرات مختلطة بصوت المطر)
فاضل : ( يمسك بأمين من يده ) انظر يا أمين.. هل تسمع ؟
أمين : أسمع .. مطر وموسيقى .( المقاومان يصغيان ، من بعيد تسمع الموسيقى ) من أجل هذا يا فاضل أنا أحب بغداد.
فاضل : من أجل ماذا يا أمين ؟
أمين : المحنة على أشدها .. حرب وظلام ومطر .. ومع ذلك ينبض قلب بعنف ... وسوف ينبض بقوة أكثر .. اسمع العزف على العود ( يصغيان )
فاضل : ( يشير بأصبعه نحو البعيد ) انظر .
أمين : ماذا هناك ؟
فاضل : انظر إلى الجسر على نهر دجلة .. ألا ترى ؟
أمين : أرى رجال المقاومة يتحركون بسرعة ويقفزون بين الخنادق وفوق السواتر والجدران .
فاضل : هذه مدينة لا تنام على ضيم .
أمين : آه ... ما أعظم هؤلاء .. إني لأحزن عليهم يا فاضل .
فاضل : ( بغضب ) أتحزن لأنهم يدافعون عن حرية هذا الوطن .. بعد الحرب سوف تتذكر هذا الحزن يا صديقي .
أمين : لم أقصد ذلك .. أنت أيضا ً موسيقي، شيء مؤسف أنهم لا يستمعون إلى هذه السيمفونية .. سيمفونية دار السلام ... لو استمعوا إلى هذه الموسيقى لأصبحت قلوبهم تغلي كالمراجل .
فاضل : هذا إذن ما فكرت فيه ... شيء مؤسف حقا ً ... من المؤكد أن قلوبهم ستتقد ناراً.
أمين : لدي فكرة يا فاضل ( يهمس في إذن فاضل ، فاضل يضحك ، يخرج أمين من جيبه علبة لحم ويرميها لفاضل ) بهذه سوف نذهب إليه .. فبدونها سنشعر بالحرج كما تعرف ( يخرجان ) .
(إظلام)

المشهد الخامس

( غرفة نعمان ، نعمان يعزف بهدوء شديد .. قرع على الباب ، نعمان يستمر في العزف ، الفتاة تنظر بخوف نحو الباب )
مصطفى : ( يتجه نحو الباب ) الحراس.. لقد كان هذا أمرا ً متوقعا ً .. قلت لكم إن نار المدفأة ترى من الشارع ... ألم أقل ذلك ؟ ( يخرج ، نعمان يتوقف عن العزف وينهض. يسمع وقع أقدام وأصواتاً مبهمة ، يفتح الباب بقوة ) تفضلا أيها الشابان، الأستاذ نعمان بشير هنا .( يدخل المقاومان ويتوقفان عند الباب ، أمين يحمل بيده علبة اللحم )
أمين : (يبدو أنه مضطرب في التعبير) تفضل ... الفتاة عندكم ضعيفة ... طبعا ً هذا مفهوم ... لقد انتهت نوبتنا ... يوجد عندنا وقت الآن ... وهذه الليلة شاتية ... إنها تمطر في الخارج.. وهناك رياح وبرد..وبغداد لم تنم هذه الليلة(ينتبه إلىالعلبة في يده) أوه .. وهذه العلبة ( نعمان ينظر بتعجب إلى الشابين )
فاضل : ( يدفع أمين من ظهره ويخطف منه العلبة) بماذا تثرثر يارجل، دخت ودوّخت البنت ودوّختنا معك ... هكذا يجب أن تفعل ... تفضلي بقبول العلبة ( يقترب من الفتاة ويناولها العلبة ، الفتاة تأخذها منه وهي مضطربة ) مرتديلاّ من لحم الغنم الفاخر، أرجو أن تعجبك.
حياة : ( خجلة) شكراً.
أمين : كنت سأفعل ذلك، ولكنك لم تمهلني. ولكن لن أفوِّتها لك، ولن أدعك تسبقني (يخرج من جعبته كتاباً ويعطيه للفتاة) تفضلي بقبول هذا الكتاب.
فاضل : ما هذا؟
أمين : (مقلداً في سخرية) ما هذا.؟ تعد وتنسى وعودك، وعليّ أنا أن أنفِّذ ما وعدت. (للفتاة) هذا كتاب ألف ليلة وليلة أحضرته لك من مكتبتي، اقرئيه، ولكن لا تلقيه في المدفأة بعد أن تقرئيه، فبغداد كلها في هذا الكتاب.
نعمان : (في استغرابً) يبدو أنكما شابان لطيفان، هل أتيتما إلى هنا من قبل .
أمين : نعم .. أغمي عليها في الشارع فأحضرناها إلى هنا ... يمكن القول إننا تعارفنا منذ زمن طويل .
فاضل : كانت خارجة من الفرن تحمل رغيفاً واحداً. كانت جائعة ومتعبة.
نعمان : آه ... إذن فالخبز الذي وجدته بين مخطوطاتي منكم .
مصطفى : ( يهمهم ) أية أشياء غريبة في هذه الغرفة ... أشياء غريبة .( الفتاة تخفي رأسها وتعبث بمنديلها )
أمين : أنا لم أضع رغيف الخبز بين المخطوطات ... لقد وضعته على الأريكة ... أجل هذا ما فعلت ولا يمكن أن أخفي ذلك (حياة تنظر إلى أمين بارتباك وتبتسم له )
حياة : وكنت أعتقد أن أحد الملائكة قد رمى لي بالرغيف الثاني من النافذة .
نعمان : حياة ! ... أنت إذن يا صغيرتي وضعت لي الخبز بين المخطوطات وحرمت نفسك .
حياة : أنا يكفيني القليل من الخبز مع الموسيقى أما أنت فحياتك أكثر أهمية ... إنها ملك لبغداد..دارِ السلام (لفاضل) ألا يسمونها أيضاً دار السلام( الفتاة تحني رأسها ، يتجه نعمان نحوها )
أمين : أستاذ نعمان.. سنطلب منك أمراً قبل أن نذهب، نرجو أن تلبيه.
نعمان : وما هو هذا الأمر ؟.. ( يقترب أمين من نعمان ويهمس في أذنه، نعمان يبتسم ويهز برأسه ) تدثري جيدا ً يا حياة ( يقترب من النافذة ويفتحها بنشوة ، يسمع صوت المطر والريح )
مصطفى : ( يصرخ بخوف ) نعمان هل جننت؟.. إنها العاصفة والمطر!
أمين : ً لا تقلق أيها العم ... سنشعل المدفأة حتى نحافظ على حرارة البيت، توجد قضية مستعجلة كما ترى .
فاضل : هناك قضية مهمة حقا ً يا مهندس مصطفى ... يجب أن تسمع بغداد ويسمع العالم كله موسيقى دار السلام ( نعمان يحتضن العود ، حياة تلف نفسها بالمنديل تقف في منتصف الغرفة وتنظر نحو نعمان بخوف ، يسمع وقع أقدام من الشارع ، نعمان يبدأ العزف وتملأ الغرفة الأصوات الاحتفالية، المقاومان ينظران من النافذة ويبتسمان ، يقفان بجانب النافذة بحيث لا يراهم أحد من الشارع وينظران )
أمين : أسمع بغداد كما لو أنها تسير في الهواء ... خطواتها غير مسموعة ( صوت انفجار من بعيد ثم صمت )
فاضل : فليضرب الغزاة على طبول جهنم ... وليرمِ هولاكو ما يشاء ومن شاء في دجلة حتى يجري ماؤه بالأسود والأحمر ...من هنا مر طغاة التاريخ وزالوا كأن لم يكونوا بالأمس، وبقيت مراكب الحضارة تبحر في دجلة والفرات. أين العمالقة وأبناء العمالقة؟ أين الفراعنة وأبناء الفراعنة؟ أين عاد وثمود؟ مضى هولاكو وبقيت بغداد. مضى تيمورلنك وبقيت دمشق. فهل من يسأل الوالغين في الدماء أين المفر إذا استيقظت في غلس الصبح الدماء ( صوت قصف) هم يعزفون لحن الموت، أما نحن فسنعزف لحن الحياة ( يركع أمام حياة ويمسك يديها ) أيتها الطفلة الطالعة من بين الركام، أيتها الذاكرة المفقودة ستكبرين وتذكرين أن بغداد مدينة لا تموت.
( يخرجان ويستمر نعمان في العزف قليلا ً ثم يتوقف ويغلق النافذة ، مصطفى يغذِي النار في المدفأة، نعمان يقترب من الفتاة يرفع رأسها وينظر في عينيها الدامعتين )
نعمان : الآن فهمت لماذا أجد كل يوم الخبز بين مخطوطاتي أو السكر في معطفي ... إذن أنت يا حياة ؟.. (الفتاة لا تجيب ) وأنت يغمى عليك في الشارع من الجوع. ( يضم الفتاة نحوه ويعبث بشعرها ) لا تفعلي هذا مرة أخرى أتسمعين ؟
حياة : بابا نعمان ... أنا أعرف أن النساء يتحملن الجوع أكثر .. والأمر بالنسبة لي ليس صعبا ً ، وأنت كبير في السن ( تخفي رأسها في صدر نعمان)
مصطفى : إذن فهذه هي القصة ... الخبز بنفسه يختبئ بين المخطوطات والسكر في المعطف ولكن أرى شيئاً واحداً يا نعمان. للأسف لا توجد أوسمة بعد لفتيات في مثل سنها ... لا توجد ولكنها ضرورية ... لكن لماذا لا نحدث وساماً نسميه وسام القلوب الصغيرة الشجاعة. إنه الوسام المناسب في رأيي .
نعمان : نعم قلوب صغيرة شجاعة ( ينظر من النافذة ) عظيمة هي مدينتنا بغداد ألا تعتقد ذلك يا مصطفى؟
مصطفى : وكيف لا أعتقد ذلك .! .. وأنا أرى مراكب الرشيد والمأمون والسندباد البحري تمخر عباب دجلة والفرات، وأرى جيوش المعتصم تتجه نحو عمورية حاملة على رؤوس الحراب صرخة أطلقتها فتارة عربية.. وامعتصماه ( يجلس نعمان ويحتضن العود ويبدأ بالعزف ، مصطفى ينظر عبر النافذة ) إذن فقد تعلمت يا حياة كيف تصبحين قوية. إن بغداد هي مدينتك ... بغداد هي الذاكرة وسوف يزداد حبك لها يوماً بعد يوم .. هاهي الشمس تشرق من جديد ... صباح آخر ... العالم يا حياة لا يعرف مثل هذه المدينة. لم ير العالم بعد مثل هذه الأحزان ومثل هذه الشجاعة وهذا الحب يا حياة .
حياة : أعرف ... ( تقف وتلتصق بنعمان وتبتسم وهي تنظر نحو النافذة) أعرف ... هناك دائما ً شيء آخر نتغذى به غير الخبز ( يعلو صوت العزف على العود ثم يتحول إلى عزف للنشيد الوطني المعروف "موطني" ، يفتح مصطفى النافذة ينفذ منها نور الشمس، كما تصل أصوات بعيدة آتية من البيوتات على شاطئي دجلة تشارك في نشيد "موطني" )*



ظــــــــــــــــلام
__________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
ليله ماطرة في دار السلام
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: الاقسام الاساسية :: نصوص مسرحية-
انتقل الى: